ابن عربي
86
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
الدنيا إلى الآخرة التقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعد اللّه من ثوابه وعقابه ، ترغبوا وترهبوا ، ولا يطولن عليكم الأمد ، فتقسى قلوبكم ، فو اللّه ما بسط أمل من لا يدري ، لعله لا يصبح بعد مسائه ، ولا يمسي بعد صباحه ، ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا ، فكم رأيتم ورأيت من كان في الدنيا مغرورا ؟ وإنما تقرّ عين من وثق بالنجاة من عذاب اللّه ، وإنما يفرح من آمن من أهوال يوم القيامة ، فأما من لا يداوى كلما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى ، نعوذ باللّه أن آمركم بما أنهي عنه نفسي ، فتخسر صفقتي ، لقد عنيتم بأمر ، لو عنت به النجوم لانكدرت ، ولو عنت به الجبال لذابت ، ولو عنت به الأرض لانشقّت ، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة ؟ وإنكم صائرون إلى إحداهما . قال أبو سليم الهذليّ : خطب عمر بن عبد العزيز ، فقال : أما بعد ، فإن اللّه عز وجل لم يخلقكم عبثا ، ولم يدع شيئا من أمركم سدى ، فإن لكم معادا ينزل اللّه فيه الحكم بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه ، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض ، واشترى قليلا بكثير ، وفانيا بباق ، وخوفا بأمن ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ؟ وسيخلفها لكم الباقون ، كذلك حتى نردّ إلى خير الوارثين ، في كل يوم وليلة تشيعون غاديا ورائحا إلى اللّه عز وجل ، قضى نحبه ، وانقضى أجله ، حتى تغيّبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع ، ثم تدعوه غير ممهد ولا موسّد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب ، وسكن التراب ، وواجه الحساب ، مرتهنا بعمله ، فقير إلى ما قدم ، غنيا عما ترك ، فاتقوا اللّه قبل نزول الموت ، وأيم اللّه ، إني لا أقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب ما عندي ، وما يبلغني عن أحد منكم حاجة إلا أحببت أن أسدّ من حاجته ما قدرت عليه ، وما يبلغني أن أحدا منكم لا يسعه ما عندي إلا وددت أن يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه ، وأيم اللّه ، لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش ، لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه ، ولكن سبق من اللّه عز وجل كتاب ناطق ، وسنّة عادلة ، دل فيها على طاعته ، ونهى فيها عن معصيته . ثم وضع طرف ردائه على وجهه ، وبكى وشهق ، وبكى الناس ، فكانت آخر خطبة خطبها . حدثنا محمد بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن ، عن علي بن محمد بن أبي عمر ، عن محمد بن الحسن ، عن عبد الملك بن بشران ، عن أبي بكر الآجري ، عن الغرياني ، عن عمرو بن علي ، عن سفيان بن خليد الضبي ، عن سالم بن نوح العطار ، عن بشر بن البشري ، قال عمرو بن علي : حججت ، فقيل : إن بمكة بشر بن البشري ، فأتيته ، فسألته ، فحدثني عن بشر بن البشري ، عن أبي سليم الهذلي ، وذكره .